المقريزي

324

إمتاع الأسماع

وأما الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو وائل السهمي الذي يقال له ابن العيطلة ، والعيطلة أم أولاد قيس بن عدي ، ونسبوا إليها ، إنه أحد المستهزئين المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي عنده أخذه وألقى ما عنده ( 1 ) وفيه نزلت : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ( 2 ) إلى آخر الآية . وكان يقول : لقد غر محمد نفسه وأصحابه ، وعدهم أن يحيوا بعد الممات ! والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث ، فأكل حوتا مملوحا ، فلم يزل يشرب عليه الماء حتى مات . ويقال : إنه أصابته الذبحة فقتل ، امتحص رأسه قيحا . والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم أبو عبد شمس ، والد خالد بن الوليد - رضي الله تبارك وتعالى عنه - وكان يقال له : العدل لأنه فيما يقال : كان يعدل قريشا كلها . ويقال : إن قريشا كانت تكسوا الكعبة فيكسوها هو مثل ما يكسوها هم ، ويقال له العدل ( 3 ) وجمع قريشا في دار الندوة ، ثم قال لهم : إن العرب يأتوكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد فتختلفون ، يقول هذا : ساحر ، ويقول هذا : شاعر ، ويقول هذا : مجنون ، ويقول هذا : كاهن ، والناس يعلمون أن هذه الأشياء لا تجتمع ، فقالوا : نسميه شاعرا ! قال الوليد : سمعت الشعر وسمعناه ، فما يشبه ما يجيئ به شيئا من ذلك . قالوا : كاهن ! قال : صاحب الكهانة يصدق ويكذب ، وما رأينا محمدا كذب قط ! قالوا : فمجنون ! قال : المجنون يخنق ومحمد لا يخنق ، ثم مضى الوليد إلى بيته ، فقالوا : صبأ ، قال : ما صبأت ، ولكني فكرت فقلت : أولى ما يسمي ساحرا ، لأن الساحر بفرق بين المرأة وزوجها ، والأخ وأخيه ، فتنادوا بمكة إن محمدا ساحر ، فنزلت فيه ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) ( 4 ) إلى قوله : ( تسعة عشر ) ، فقال : أبو الأشدين - واسمه كلدة بن أسيد بن خلف الحمجي - أنا أكفيكم ، خمسة على ظهري ، وأربعة بيدي ( 5 ) ، فألقوا في جهنم ، فنزلت :

--> ( 1 ) الحجر : الصنم الذي يعبده من دون الله تعالى . ( 2 ) الفرقان : 43 ( 3 ) لأنه كان يعدل قريشا وحدها في النفقة في كسوة الكعبة . ( 4 ) المدثر : 11 . ( 5 ) كذا في ( الأصل ) ، وفي ( ابن كثير ) : قال : يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجافيه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه . قال السهيلي : وهو الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصارعته وقال : إن صرعتني آمنت بك فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فلم يؤمن . قال : وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد العزيز بن هاشم بن المطلب . قال الحافظ ابن كثير : ولا منافاة بين ما ذكراه . والله تعالى أعلم . ( تفسير ابن كثير ) : 4 / 474 .